إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الأربعاء، 30 يونيو 2010

تاكسي.. !


أوقفت التاكسى ليقلنى إلى منزلى والسعادة تغمرنى ، ففى يدى فستان خطبتى. أخيراً اشتريته وكان مناسباً فى كل شئ، لونه، شكله، وسعره، فعلاً وفقت فى شرائه .

ركبت التاكسى وجلست فى الكنبة الخلفية، كان الجو حاراً ولم يزل أمامى وقت طويل حتى أصل إلى المنزل كنت أتحسس الفستان من حين إلى آخر وأنظر إليه باعجاب وأتعجل الذهاب إلى البيت حتى أريه لأمى وأخوتى ولأخبر خطيبى أنى قد اشتريته .

أخذت أتفرج وأتأمل الطرقات من خلال النافذة وفجأة سمعت صوت السائق يتمتم ببعض الكلمات فالتفت إليه وقلت : هه ! أتحدثنى ؟ فلم يرد وسمعته يصفر، اندهشت قليلا ولكن لم أهتم وعدت إلى تأملاتى وفرحتى بالفستان وأحلامى مع خطيبى .. لم تمر دقيقتان حتى وجدته يفرد ذراعيه بجانبه وكأنه يقلد طيران الحمامة حتى إن ذراعه الأيسر اخترق النافذة، ثم أخذ يغنى ألحاناً لا أعرفها. ساعتها قلت لنفسى : " آه قد وقعت فى مأزق مع شخص غير طبيعى "، لقد ترك عجلة القيادة فارتكبت ولم أدر ماذا أفعل . ومر طيف خطيبى أمامى وشككت لحظة أن كنت سأستطيع إتمام فرحتى . فكرت أن ألقى بنفسى من باب التاكسى ، ولكنى خفت وآثرت التمهل، أننى عروس يا ناس ! وبعد لحظات وجدته يمسك بعجلة القيادة ثانية ويقود بمنتهى الهدوء والاتزان .. فدعوت الله أن يسلم وأن أصل إلى منزلى بالسلامة وأن يكمل فرحتى .

كانت السيارة بطيئة وتهتز وعندما اقتربنا من مطلع الكوبرى لا أدرى من أين أتت بكل تلك القوة والطاقة الجبارة فوجدتنى فى غمضة عين عند منتصف الكوبرى يصطدم بالسيارة الملاكى التى أمامنا . كانت رأسى قد ارتطمت بالكرسى الأمامى وأطلقت صيحة على استحياء .

شعرت بالغضب الشديد والخوف وقبضت بيداي على الفستان بشدة و خفت عليه أن يتجعد قبل أن ارتديه ، و الحمد لله لم يحدث أي إصابات لا إلى السائق ولا لى، ولكن السيارة من الأمام حدث بها بعض المفسدات التى تحتاج إلى إصلاح . وبرغم من أنه من الواضح جدا خطأ سائقى إلا أن الحياة تحتم علينا أن نتوقع ما حدث! لقد خرج سائقي كى يتعارك مع سائق السيارة الملاكى الذى كان قد خرج قبله. وتطاير السباب واللوم والوعيد من كليهما. وأخذ كل منهما يلعن القيادة والسائقين والشوارع .

حتى الآن أسائل نفسى لما لم أخرج من التاكسى ساعتها وأركب تاكسي آخر؟ قد كبلنى الخوف، لا بل الحرج!

عاد كل سائق إلى سيارته ، استدار السائق إلى ولعله لاحظ علامات الهلع التى ارتسمت على ملامحى، وقال ابن الكذا والكذا مخطئ ويقول أننى دشدشت سيارته، انظرى ما فعله بسيارتى ؟! ثم أخذ يضرب بعجلة القيادة فى غيظ. لم أستطع أن أنبس بكلمة ورأيته يتناول بعض الماء من الزجاجة الصغيرة القابعة بجانبه وأخذ يضبط شاربه الكثيف ، وواصل القيادة وانطلقت السيارة وأخذ يسير بسرعة مخيفة فكنت أترجح على مقعدى يمنه ويسره ، آه ليتنى ما ركبت أنا عروس وأريد أن أفرح.

حاولت أن أخرج صوتى وقلت بأدب : لو سمحت تمهل قليلاً ... فتبسم وقال: آسف ان ضايقتك ولكن لدى موعد أريد أن ألحق به وقد تعطلت بما يكفى.

فسكت على الفور، و وجدته يسألنى : قولى لى أين تريدين أن أوصلك بالضبط؟ فقلت فى نفسى " ياللملل " هذه المرة العشرون التى يسأل هذا السؤال ، فقد سألنى هذا السؤال عندما أوقفته وفى بداية رحلتى معه. أخذت أشرح وأطلت فى الوصف وفجأة قطب جبينه وقال بصوت عال وفيه حدة: أعرف أعرف أننى أعرف هذه المنطقة جيدا ودارسها ، ولا أحتاج لكل هذا الشرح ... صمت لحظة ثم تعاطفت مع نفسى وقلت لنفسى لم الاستكانة ؟ وقررت أن أعلى من صوتى انا أيضا وصرخت : لم تعلى من صوتك هكذا ؟ ألست أنت الذى سألت ! فلتحترم حالك ولهجتك معى وخطيبى ضابط شرطة ، فإن تطاولت علي ثانية سأخذ نمرة سيارتك وأخرب بيتك.

لم يكن خطيبى ضابط شرطة و لا شئ من هذا القبيل ... فوجئت بانفعالى هذا والكلام الذى نطقت به ولكن سعدت جدا لأننى لأول مرة استطعت أن أصرخ فى وجه سائق تاكسى .. فاندهش وشعرت بابتسامة خفية على شفتيه فرقق من صوته .. وقال : أنا آسف اعذرينى واعتبرينى أخيك الأكبر . فقلت إن أخى الأكبر لم يكن ليعلى صوته على أبداً .. فتأسف مجددا ... وبعد مسافة عشر دقائق توقف واستدار لى وقال : أنا آسف ولكن يجب أن تغادري التاكسي .. فتساءلت في عجب لماذا ؟ فرد ببساطة : موعدى لقد حان الموعد الذى قلت لك عليه إنه مهم ولا يمكن تفويته .. أنا آسف جدا لك ومحرج ولكن يجب أن تنزلى وآسف للمرة الخمسين .. أتحبين أن أوقف لك تاكسى آخر ؟ ..

رددت عليه باستياء شديد : لا شكراً كتر خيرك .

شعرت بالضيق الشديد ولكن حمدت الله أنى هبطت منه بالسلامة .. اتصلت بخطيبى حتى يقلنى إلى منزلى ..والحمد لله إنه كان بالقرب من المكان الذى أنزلنى فيه السائق .. وبدلا من ان نتشارك فرحة الفستان أجهشت بالبكاء وحلفت أننى لن أنزل الشارع ثانية إلا بعد أن يكون لى سيارتى الخاصة .. كيف ومن أين ؟ لا أدرى ولم يهمنى ذلك فى غمرة انفعالى .. وعدت إلى منزلى بعد أن طيب خطيبى خاطرى .

كانوا فى المنزل بانتظارى يريدون رؤية فستانى أريتهم إياه فى فتور وتعب، فحكيت لهم حكايتى وقالوا لى لا يجب أن تتضايقى هكذا وأنت عروس .. نعم أنا عروس ولا يجب أن أتضايق ولذا أريد سيارة ، أو أتقاسم أنا وأخى سيارة والدنا سويا فقد تركها والذى لأخى كلياً بعد أن صارت القيادة تتعبه .. هى صحيح سيارة قديمة جداً ولكنها تنفع عند الضرورة .. لم يعجبهم كلامى طبعا ولأنهم لم يتعاطفوا معي زدت فى إصرارى وعندى ثم دخلت لأنام وأنا مغتاظة .

فى الصباح قمت مبكراً حيث أنه كان لدى الكثير لأقوم به فغدا حفل خطوبتى .. وكان مزاجى قد تغير تماما ، وجعلت أضحك على ما قلته البارحة لأمى وأخوتى .

تناولت افطارى وأسرعت للنهوض لبداية يومى المليء المكدس بالمهام، فأنا عروس ..ارتديت ثيابى كى أبدأ أول مشاوير اليوم وخرجت من المنزل وقفت أمام باب عمارتى كى أوقف تاكسى .. التفت إلى يسارى رأيت سيارة تاكسى تقترب وتهدئ لتقف أمامى ، ولم أصدق نفسى عندما دققت نظرى ووجدته نفس تاكسى البارحة .. ولما تحققت أكثر كان السائق هو نفس السائق أيضا وكأنه كان ينتظرنى وبالفعل وقف أمامى .. فأشحت له بيدى بأنى لا أرد الركوب ونظرت خلفى لعلى أجد تاكسى آخر اركبه ولكنه ظل أمامى ولم يتحرك وسمعت صوته يقول " اركبى، اركبى فضميرى يؤنبنى منذ البارحة لأننى لم أوصلك إلى حيث اتفقنا ، فنظرت إليه بدهشة واستنكار وقلت له " شكرا " فى استياء ، فأصر قائلاً : اركبى ولا تخافى وفتح لى الباب الخلفى كى أركب .. استفزتنى كلمة "لا تخافى " وحتى لا أخلف رأيه ركبت فى استسلام ولكنى كنت خائفة ... وأردت ساعتها ضرب نفسى بألف حذاء لأننى ركبت .

نظر السائق إلى فى المرآة ولأول مرة أدقق فى ملامحه .. كان رجلاً كبيراً فى السن ، قدرته فى الستينات ، لم تكن ملامحه مخيفة كما تخيلت ..

ابتسم وقال لى : جئت إلى هذا العنوان وكنت قد وصفته لى أمس لعلى أجدك حتى أعتذر اليك ، والحمد لله أننى وجدتك ، فقد كنت على وشك الذهاب.. أنا بالفعل أسف ولكن أريدأن أسدى اليك نصيحة يا بنتى ..إياك أن تظهرى ملامح الخوف والذعر هذه على وجهك كما فعلت أمس فى أي تاكسى .. فالضعف يطمع مريض النفس، فلا تكونى ضعيفة أبدا .. اشعرى بقوتك حتى يشعر الآخرون بها. والآن إلى أين تريدين أن أوصلك يا عروستنا !

ففغر فمى لحظة وتساءلت بدهشة وكيف عرفت ؟! فقال : ألا تذكرين عندما ارتطمنا بالسيارة صرخت صرخة صغيرة وقلت أنا عروس ..إلا تذكرين ؟

فقلت " ظننت أنى قلتها فى نفسى ..

أوصلنى إلى حيث أردت وعرض على أن ينتظرنى ولكنى شكرته وبعد أن فرغت من مشوارى وجدته ينتظرنى ويريد أن يعيدنى إلى منزلى صار السائق صديقى وكلما أردت الذهاب إلى مشوار بعيد اتصلت به بعد أن أعطانى رقم تليفونه النقال .. وهل تصدقونى ان أخبرتكم أننى قد دعوته إلى حفل زفافى .. وقد وعدت خطيبى وهو الآن زوجى أنه سيشترى لى سيارة خاصة حينما يتيسر له والى أن يتيسر لى سيارة خاصة فصديقى سائق التاكسى فى خدمتى ..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق